ابن قيم الجوزية

534

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

غافر : ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [ غافر : 76 ] وفي سورة النحل : فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [ النّحل : 29 ] وفي سورة تنزيل : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [ الزّمر : 60 ] . وأخبر أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع اللّه على قلوبهم ، فقال تعالى : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [ غافر : 35 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » رواه مسلم . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الكبر بطر الحق . وغمص الناس » . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النّساء : 48 ، 116 ] تنبيها على أنه لا يغفر الكبر الذي هو أعظم من الشرك ، وكما أن « من تواضع للّه رفعه » فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله اللّه ووضعه ، وصغّره وحقره . ومن تكبر عن الانقياد للحق - ولو جاءه على يد صغير ، أو من يبغضه أو يعاديه - فإنما تكبره على اللّه فإن اللّه هو الحق . وكلامه حق ، ودينه حق ، والحق صفته ، ومنه وله . فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله : فإنما رد على اللّه ، وتكبر عليه . واللّه أعلم . تعريف التواضع قال صاحب المنازل : « التواضع : أن يتواضع العبد لصولة الحق » . يعني : أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له ، والذل ، والانقياد ، والدخول تحت رقّه ، بحيث يكون الحق متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه ، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع ، ولهذا فسر النبي صلى اللّه عليه وسلم الكبر بضده ، فقال « الكبر بطر الحق ، وغمص الناس » فبطر الحق : ردّه وجحده ، والدفع في صدره ، كدفع الصائل ، و « غمص الناس » احتقارهم ، وازدراؤهم . ومتى احتقرهم وازدراهم : دفع حقوقهم . وجحدها ، واستهان بها . ولما كان لصاحب الحق مقال وصولة : كانت النفوس المتكبرة لا تقرّ له بالصولة على تلك الصولة التي فيها ، ولا سيما النفوس المبطلة . فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها . فكان حقيقة التواضع : خضوع العبد لصولة الحق ، وانقياده لها . فلا يقابلها بصولته عليها . درجات التواضع قال : « وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : التواضع للدين ، وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا ، ولا يتهم للدين دليلا ، ولا يرى إلى الخلاف سبيلا » . « التواضع للدين » هو الانقياد لما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والاستسلام له ، والإذعان . وذلك بثلاثة أشياء » : الأول : أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم ، المسماة : بالمعقول ، والقياس ، والذوق ، والسياسة . فالأولى : للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين ، الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم